مي عزام | تكتب: «رصيد» الحكومة و«شحن» المواطن

مي عزام | تكتب: «رصيد» الحكومة و«شحن» المواطن

- ‎فيمنوعات
0

كنت قد عزمت التوقف عن الكتابة في السياسة وانتقاد النظام والحكومة، فلقد سمَّمَت السياسة حياتى وسرقت منى البهجة، وشعرت حينها أننى ابتعدت عمّا أحبه وأجد فيه متعة كبيرة إلى ما لا أحبه ويضرني، لكن بعد فترة قصيرة وجدت أن السياسة ليست انتخابات وبرلمانًا وأحاديث متحذلقة لا يفهمها العامة، ولكنها الحياة اليومية التي تتشارك فيها مع الآخرين، نتشارك فيها حينما يقود الرجل سيارته فينحشر وسط الزحام، وحينما تسير المرأة في الشارع فتتعرض للتحرش، وحينما نشترى ما نحتاجه فنكتشف أننا ضحية للغش التجارى، وحينما نراجع مدخراتنا القليلة فنجدها قد انكمشت إلى النصف بسبب قرار سياسي، وحينما تنتقد الأحوال في مكان عام فتخاف أن يسمعك المخبر، وحين تشحن موبايلك فتجد أن سعر المكالمة زاد أكثر من 30% رغم تدنى الخدمة مع كل شركات المحمول.. في كل هذه المواقف وغيرها نتساءل عن دور الحكومة ومسؤولية الدولة، وهكذا تأخذنا كل تفاصيل الحياة إلى الحديث في السياسة.

(2)

«للصبر حدود».. هل تفكر حكومتنا في هذه العبارة؟ أم أنها اطمأنت إلى أن الشعب وصل إلى مرحلة اليأس والإنهاك وأنه سيتقبّل كل الصفعات دون أن يجهر بالمعارضة أو السخط، وأنه قبل بدور المتفرج الأخرس والأعمى والأطرش خوفًا من القبضة الأمنية الغليظة، حتى أصبحنا نشعر أننا نعيش في غربة داخل بيوتنا، تخيم علينا سحابة من الشك وعدم اليقين، لم نعد نصدق ما نسمعه ولا نثق فيما نراه، فقد أصبح بين النظام والشعب ثقب أسود مهول يبتلع كل محاولة لخلق جسور الثقة والشراكة، ويبقينا عالقين في دوائر الحصار والعزلة.

(3)

إلى متى سيستمر مسلسل الغلاء ومفاجآت آخر الأسبوع؟ لقد اعتادت حكومتنا الرشيدة أن تخرج علينا بقرارات ارتفاع أسعار الخدمات والمحروقات والدواء وتعويم الجنيه…إلخ مع نهاية يوم الخميس، ومع كل ارتفاع في الأسعار تكون الحجة جاهزة: الدعم يرهق ميزانية الدولة، ونحن لم نصل بعد إلى الأسعار العالمية، إنهم يريدون أن يبيعونا الخدمات بالأسعار العالمية ولا يعطونا رواتب بالأسعار العالمية ولا خدمات بالمعايير العالمية، فهل ما نحصل عليه من خدمات يقترب من المعايير العالمية بأي شكل من الأشكال؟ ولماذا على الشعب دائمًا أن يتحمّل فاتورة خرم الميزانية؟ ولماذا لا يتم سداد عجز الميزانية من محاربة الفساد وإجراءات تقشفية من جانب الحكومة ومؤسسات الدولة وفرض الضرائب التصاعدية على الدخل؟

(4)

كلنا يعرف أيضًا أننا نطبق شروط صندوق النقد الدولي، مجموعة الشروط تحمل عنوانًا خادعًا «الإصلاح الاقتصادى»، وتتنوع شروط الصندوق بين تسريح أعداد كبيرة من الموظفين، ورفع الدعم عن السلع، وتحرير الاقتصاد وربطه بالسوق المفتوحة، والالتزام بالاتفاقيات الاقتصادية الدولية، والمشكلة أن الشروط يتم تقديمها بشكل إيجابى يوحي فعلًا بالإصلاح، لكنها في الحقيقة لا تتم بهذا الهدف، بل من أجل إضعاف الاقتصاد وربطه بالرأسمالية العالمية كاقتصاد استهلاكى وليس إنتاجيًا.

(5)

المشكلة التي لا تهتم بها الدولة أنها تنتهج منذ عقود اقتصاد الاستهلاك وتوكيلات التسويق بدلًا من اقتصاد الإنتاج، فلم نعد سوى سوق كبيرة أمام المستوردين، يتم دوران رؤوس الأموال في دوائر تعرف طريقها إلى أرصدة رجال الأعمال، فيزدادون ثراء مقابل زيادة معدلات الفقر وتوسيع الفجوة بين الأثرياء والفقراء، ولهذا فإن سياسات رفع الأسعار والضرائب في مصر أصبحت أقرب لأسلوب الجباية الذي اعتمدته «السلطة» في أزمنة سابقة مع فلاحين معدمين لا يملكون قوت يومهم، حتى وصل الأمر إلى مصادرة الماشية، وأحيانًا الأولاد، بينما لا تتحمس الدولة بنفس الدرجة لتطبيق قانون للضريبة التصاعدية، لضمان مساهمة أكبر من الأثرياء في سد الفجوة التي نحاول سدها بأجساد الفقراء النحيلة، وبقايا أحلامهم المحطمة في حياة حرة كريمة، ويبدو أن رئيس الحكومة وكبار المسؤولين عندنا صاروا يتعاملون بالمثل الحلمنتيشي الذي يقول: اللي ما يشوفش من الغربال.. يبقى «وزير».

EKTEBLY@HOTMAIL.COM

المصدر

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *